ملحمة البناء عبر الأجيال : مراحل تشييد وتطوير قلعة الزاهر (1213هـ – اليوم)

ملحمة البناء عبر الأجيال : مراحل تشييد وتطوير قلعة الزاهر (1213هـ – اليوم)
مشهد بانورامي يبرز موقع قلعة الزاهر (حصن الزاهر) الشامخ فوق قمة الجبل بمحافظة ذمار، تحيط به المدرجات الزراعية الخضراء والأودية في مديرية عتمة

لم تكن قلعة الزاهر في مديرية عتمة بمحافظة ذمار وليدة لحظة واحدة أو عمل فردي أُنجز في حقبة زمنية قصيرة، بل هي ملحمة أجيال متتالية تناقلت أمانة التأسيس والتوسعة والصيانة. لقد شكلت هذه القلعة شاهداً حيّاً على تتابع الوفاء من الآباء إلى الأبناء لتبقى شامخةً إلى اليوم كرمز لروعة العمارة والعزيمة اليمنية الاصيلة.

فيما يلي السرد التاريخي المفصل لمراحل تشييد وتطوير هذا الصرح العريق عبر عشر محطات رئيسية:

المحطات التاريخية لتشييد القلعة وتطويرها

1. مرحلة التأسيس (1213هـ – 1798م)

بدأت حكاية القلعة الشامخة عندما قام المؤسس الأول الشيخ علي بن إسماعيل بن محمد صلاح (رحمه الله) بإزالة أنقاض ومخلفات البناء القديم المتهدم. ثم قام بتوسعة وتسوية مساحة الأرض الصخرية من جميع الجهات وتأسيس وبناء الحصن القبلي الغربي من القلعة المكون من ثلاثة طوابق، مع وضع الأساسات الأولى للحصن الشرقي من القلعة. وختم عمله بوصية تاريخية اوقف فيها أموالاً خاصة لصيانة القلعة وحث أبناءه على استكمال ما بدأه من بناء في الحصن الشرقي من القلعة.

2. مرحلة الاستكمال وتشييد الحصن الشرقي من القلعة (1251هـ – 1835م)

مواصلةً لرسالة والدهم، قام الشيخ عبدالرزاق بن علي بن إسماعيل صلاح وإخوانه (رحمهم الله) باستكمال بناء الحصن الشرقي من القلعة والذي شيدُ فيه ثلاثة طوابق. كما قاموا بإنشاء درج قبلي متوسط ربط الحصنين الغربي والشرقي من القلعة ببعضهما في تناغم معماري ووظيفي اًُتقن بعناية.

3. بناء الحصن الغربي العدني (1268هـ – 1851م)

استمراراً للتوسع المعماري، شيد الشيخ عبدالرزاق صلاح الحصن الغربي العدني، والذي يتكون من ثلاثة طوابق من الجهة العدنية وطابقين من الجهة الغربية. وتم ربطه بدرج ومدخل واحد مع الحصن القبلي الذي بناه والده، فاصبحت بذلك الكتلة المعمارية اكثر اتساعاً و اكثر تماسك.

4. بناء المسجد الأثري والبرك (1288هـ – 1872م)

في هذا العام، أضاف الشيخ عبدالرزاق بن علي بعداً روحانياً واجتماعياً للقلعة ببناء المسجد الأثري القائم حتى اليوم بجوار القلعة من الجهة القبلية. كما قام بتشييد بركتين كبيرتين لتجميع مياه الأمطار وضمان الموارد المائية، وأوقف للمسجد أموالاً خاصة للعناية به.

5. بناء الطابق الرابع والباب الجامع (1311هـ – 1893م)

شهدت القلعة نقلة نوعية على يد الشيخ محسن بن أحمد بن علي صلاح (رحمه الله)، حيث قام ببناء الطابق الرابع في الجهة الشرقية. كما أنشأ بوابة ربط رئيسية جمعت الحصون الثلاثة تحت مدخل واحد عُرف بـ “الباب الجامع”، وهو الوقت الذي أُطلق فيه رسمياً اسم “قلعة الزاهر” على التجمع المعماري الكامل.

6. بناء الطابق الخامس والمفرج الزجاجي (1350هـ – 1931م)

قام الشيخ عبدالواحد بن محسن صلاح (رحمه الله) ببناء الطابق الخامس للقلعة من الجهة الشرقية (وهو الرابع من الجهة الغربية). وتميز هذا الجزء بلمسة معمارية مبتكرة تجمع بين الذوق والرفاهية، حيث ضم مجلساً مرتفعاً (مفرج) يطل على الطبيعة مع مرافقة، إضافة إلى حمام بخار زجاجي ملحق به.

7. بناء مجالس الاستقبال والتطوير (1384هـ – 1964م)

واصل الشيخ عبدالواحد صلاح إكمال الصرح ببناء ديوانين واسعين للاستقبال مع ملحقاتهما يطلان على كافة أرجاء مخلاف عتمة والمديرية. كما نفذ أعمال صيانة وترميم واسعة، كان من أبرزها إعادة تشييد الركن الشرقي الجنوبي للقلعة من الأساس وحتى القمة.

8. الترميم الشامل بعد الأحداث التاريخية (1405هـ – 1984م)

نتيجة للأضرار الكبيرة التي لحقت بالقلعة إبان الأحداث التاريخية المعروفة بـ “الجبهة” في المناطق الوسطى، تولى الشيخ عبدالوهاب بن عبدالواحد صلاح (رحمه الله) مهمة إعادة الترميم الشامل لكافة أجزاء القلعة، وإعادة بناء الأدوار العلوية الشرقية وتوسيع نوافذها، إضافة إلى تجديد البرك الرئيسية بالكامل.

9. تشييد الحصن الجديد (1410هـ – 1990م)

إضافة إلى السلسلة المعمارية، قام الشيخ عبدالوهاب صلاح ببناء حصن جديد مجاور للقلعة من الجهة الجنوبية مكون من ثلاثة طوابق. وتم ربطه بمدخل وبوابة واحدة مع القلعة ودواوين الاستقبال ليضيف صرحاً حديثاً للمجمع الحصين.

10. العصر الحديث وحماية الأسطح

تولى الشيخ جمال بن عبدالوهاب صلاح (حفظه الله) مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث الحضاري العريق في المرحلة اللاحقة، حيث عمل على صب كافة أسطح القلعة بمادة الأسمنت لحمايتها من تسرب المياه، وواصل تنفيذ الترميمات الدورية والصيانة المستمرة السنوية لضمان بقاء القلعة قائمة وصامدة أمام عوامل التعرية والزمن.

خاتمة: صرح يمني لا يطويه الزمان

إن قلعة الزاهر ليست مجرد أثر من الماضي، بل هي ذاكرة حية ومقام مجد يحكي قصص الإنسان اليمني وعزيمته في تعمير الأرض والبناء على القمم. والحفاظ على هذا المعلم الشامخ هو حراسة للهوية والتاريخ والتراث اليمني، لتظل القلعة دائماً مصافحة للسحاب ومتباهية بجمالها فوق ذرى عتمة.

🔗 مقالات ذات صلة:

يمكنك العودة لقراءة [المقال الثاني: الهندسة والتصميم المعماري لقلعة الزاهر] أو

[المقال الأول: قصة التأسيس والأهمية التاريخية لقلعة الزاهر].